الحلبي

219

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

موكلا على آدم أن لا يأكل من تلك الشجرة ، فلما قدّر اللّه تعالى أن آدم يأكل من تلك الشجرة غاب عنه ذلك الملك ، فنظر اللّه تعالى إلى ذلك الملك بالهيبة فصار جوهرا . ألا ترى أنه جاء في الأحاديث « الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله يد ولسان وأذن وعين » لأنه كان في الابتداء ملكا . أقول : ورأيت في ترجمة كلام الشيخ كمال الدين الأخميمي أنه لما جاور بمكة رأى الحجر الأسود وقد خرج من مكانه وصار له يدان ورجلان ووجه ، ومشى ساعة ثم رجع إلى مكانه . وقد جاء « أكثروا من استلام هذا الحجر ، فإنكم توشكون أن تفقدوه ، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا وقد فقدوه ، إن اللّه عز وجل لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة » أي فقد جاء « ليس في الأرض من الجنة إلا الحجر الأسود والمقام ، فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة ، ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه اللّه تعالى » وجاء « استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع » وقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة ، واللّه أعلم . وجاء « أن آدم أتى ذلك ، أي تلك الخيمة : أي التي هي البيت المعمور على ما تقدم ألف مرة من الهند ماشيا من ذلك ثلاثمائة حجة وسبعمائة عمرة ، وأول حجة حجها جاءه جبريل وهو واقف بعرفة فقال له : يا آدم برّ نسكك ، أما إنا قد طفنا بهذا البيت قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة . وفي رواية : لما حج آدم استقبلته الملائكة بالردم : أي ردم بين جمح الذي هو محل المدعي ، فقالوا : بر حجك يا آدم ، قد حججنا هذا البيت قبلك بألف عام . أقول : وفي تاريخ مكة للأزرقي أن آدم عليه الصلاة والسلام حج على رجليه سبعين حجة ماشيا ، وأن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا : بر حجك يا آدم ، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام . والمأزمان : موضع بين عرفة والمزدلفة . قال الطبري : ودون مني أيضا مأزمان ، واللّه أعلم بالمراد منهما هذا كلامه . وجاء « أنه وجد الملائكة بذي طوى وقالوا له : يا آدم ما زلنا ننتظرك هاهنا منذ ألفي سنة » وكان بعد ذلك إذا وصل إلى المحل المذكور خلع نعليه ، ويحتاج للجمع بين كون الملائكة استقبلته بالردم ، وكونها لقيته بالمأزمين ، وكونه وجدهم بذي طوي ، وبين كونهم حجوا البيت قبله بألف عام ، وكونهم حجوا قبله بألفي عام ، وبخمسين ألف عام ، وهل الملائكة خلقوا دفعة واحدة أم خلقوا جيلا بعد جيل . ومما يدل على أنهم جيلا بعد جيل ما جاء من نحو « من قال سبحان اللّه وبحمده ، خلق اللّه ملكا له عينان وجناحان وشفتان ولسان يطير مع الملائكة ويستغفر لقائلها إلى يوم القيامة » وما جاء « إن جبريل في كل غداة يدخل بحر النور فينغمس